فخر الدين الرازي

161

تفسير الرازي

المسألة الأولى : المراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان : الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه ، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ان المرأة خلقت من ضلع أعوج فان ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " . والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله : * ( وخلق منها زوجها ) * أي من جنسها وهو كقوله تعالى : * ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) * ( النحل : 72 ) وكقوله : * ( إذ بعث فيهم رسول من أنفسهم ) * ( آل عمران : 164 ) وقوله : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * ( التوبة : 128 ) قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : * ( خلقكم من نفس واحدة ) * إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة " من " لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال : خلقكم من نفس واحدة ، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم . المسألة الثانية : قال ابن عباس : إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي ، فلا جرم سميت بحواء . المسألة الثالثة : احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا : قوله تعالى : * ( خلقكم من نفس واحدة ) * يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة ، وقوله : * ( وخلق منها زوجها ) * يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم قال في صفة آدم : * ( خلقه من تراب ) * ( آل عمران : 59 ) فدل على أن آدم مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق : * ( منها خلقناكم ) * ( طه : 55 ) وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال . أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا المخلوق ان كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا البتة ، وإذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر ، وان قلنا : ان هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من